العلاقات البشرية

                        العداوة

تُعدّ العداوة أو الكراهية من أقوى المشاعر الإنسانية بعد الحب. هذه المشاعر التي حاول الفلاسفة فهمها منذ القدم كما حاول الأنبياء التنبيه منها، تسببت على مر التاريخ بالكثير من الحزن والمعاناة. حاول علماء النفس في القرنين السابقين الغوص في خصائص الكره وما يجعله بهذا التأثير. فما هو تقدير مدارس علم النفس للعداوة؟

تُعدّ الكراهية الدافع الأول للحروب والاقتتال. تُعتبر المشاعر بحد ذاتها متعددة الأوجه، فالعداوة  يمكن أن تكون منخفضة القوة والتأثير كأن يقول الإنسان “أنا أكره الفول” أو عالية التأثير “أنا أكره العالم بأسره”. كذلك يمكن أن تكون قصيرة الأجل، كعداوة مؤقته بين صديقين أو طويلة الأمد ومدمرة أحيانًا كالعداوة بين البلدان والشعوب.  ويُعطى مثل الديكتاتور النازي هتلر كمثال على ما يمكن أن يصل إليه العقل البشري نتيجة الكراهية. بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية والكشف عن الإبادة الجماعية التي ارتكبها النازيون ، أصبحت عبارة “أبدًا مرةً أخرى” تعبيرًا عن رفض ما جرى وعدم السماج للكراهية أن تكون أمراً مألوفًا يعد اليوم. ومع ذلك ، خلال النصف الأخير من القرن العشرين وبداية العقد الحالي، شهد العالم عددًا من المجازر الوحشية التي تفوق أحيانًا الحرب العالمية الثانية وحشية مثل هجمات المتعصبين الدينيين المسيحسيين والإبادة الجماعية في رواندا والقتل
… الجماعي في البوسنة وهجمات الحادي عشر من سبتمبر على الولايات المتحدة

إنّ الأعداد المذهلة من الأعمال الوحشية والكراهية التي ما زالت في عالمنا اليوم تدفعنا إلى دراسة علم نفس الكره. يرى العالم
: روبرت ستيرنبرج ثلاثة عناصر رئيسية للعمل العدواني

رفض العلاقة مع الآخر، عندما يصبح القرب منه يشكل تهديد –

سيطرة العاطفة ، مثل الخوف أو الغضب –

قرار معاقبة شخص سابق كان له قيمة –

أمّا عالم النفس الشهير سيغموند فرويد فيعتبر أنّ الكراهية حالة الأنا التي ترغب في تدمير مصدر تعاسة معين، فهي إذًا مرتبطة بمسألة الحفاظ على الذات. ويمكن هنا توضيح وظيفة الحماية الذاتية هذه، التي يمكن البحث عنها في الكراهية من خلال تحليل
. شتاينبرغ للكراهية “التمردية”، حيث يتم التنصل من العلاقة التابعة لأحد أو لشيء ما في السعي لتحقيق الحكم الذاتي

أخيرًا، إذا نظرنا إلى أعمال العنف نظرة بوليسية بحتة يكون تحليلنا ناقص، إذ أنّ الرشقات من الرشاش التي قتلت شخصًا ما ليست عشوائية أو مفاجئة من الذات اللاعقلانية ، بل هي أعمال عنف وقتل مدبرة ومخطط لها بعناية. هذه العمليات والأحداث
. يكمن وراءها عاطفة إنسانية واسعة النطاق وخطيرة اسمها الكراهية

العلاقات البشرية

العلاقة بالخال

الخال هو لغويًا الشخص الذي تربطنا به علاقة عائلية أو قرابة أو فورية من جهة الأم. فالخال هو أخ الأم. بسبب الصورة المحبّة للخال كونه الحكيم والودود في العديد من الثقافات ، استخدمت الكلمة ككنية محببة لكثير من الناس. فما هو دور الخال في الثقافات المتعددة؟

الخال البيولوجي،  أي الأخ الشقيق للأم، هو قريب من أبنائها الذكور من الدرجة الثانية أي أنه يشاركهم التداخل الوراثي بنسبة
. 25 ٪. ومع ذلك ، فإن الشخص الذي ليس خالًا بيولوجيًا يُطلق عليه في بعض الأحيان لقب الخال كعنوان للإعجاب والاحترام

لطالما كان الخال تعبير عن الاحترام والسلطة في المجتمعات العربية والإسلامية إجمالًا، خاصة أن الخال هو الإنسان الحكيم في اللاوعي الشعبي. فحمزة خال النبي له أهمية كبيرة في الوعي الإسلامي، وتأثير كبير على الرسول محمد. كذلك نشأت العديد من الأمثال الشعبية عن الخال في بلاد الشام أبرزها “الولد لو بار بيطلع ثلثينه للخال”. وهذا المثل يؤكد على الرغبة بالتشبه
. بالخال والتعلم منه

تختلف الثقافات في فهمها للعلاقة مع الخال، ففي الثقافة الأيرلندية مثلًا يُعتبر الخال مهم جدًّا، وعادة ما يتم اختياره ليكون الأب الروحي أو العراب للأطفال خلال المعمودية الكاثوليكية. قد يسعى شاب أيرلندي للحصول على مشورة من خاله قبل اتخاذ أي قرار مهم ، ويتم التعامل مع رأي الخال على محمل الجد. أما في الثقافات الأنجليزية، لا يتم التفرقة لغويًا بين العم والخال، إذ
. يوجد مصطلح جامع واحد يعبر عن الإثنان، فالإثنان لهما لقب “uncle”

 في حالة الثقافات العربية أو الألبانية أو السلافية أو الفارسية، التفريق واضح. لا يوجد مصطلح جامع واحد يصف كل من قرابة الشخص إلى أخوة أمه وأبيه، بدلاً من ذلك ، هناك مصطلحات متفرقة محددة تصف قرابة الشخص فالخال له تسميات واضحة
  في هذه الثقافات: مثل الخال في العربية أي أخ الأم (“داجي” باللغة الألبانية ، “دايي” باللغة الفارسية ، “ووج” باللغة
.( البولندية

في النهاية لا بد من الإشارة أن تعميم الحكمة على جميع الأخوال أمر غير مرغوب، خاصة مع اختلاف الثقافات والأعراق، لكن
. ما نتحدث عنه هو الموروث الشعبي النابع من حالة الاحترام لشقيق الوالدة

العلاقات البشرية

العلاقة بالعمة

تُطلق تسمية العمة في اللغة العربية على أخت الأب ، ولكن من الممكن أن يصبح هذا اللقب لقبًا حنونًا للمرأة الحاضنة الأكبر سناً، فلطالما كانت العمة رمزًا للحنان بعد الأب والأم. في الوقت ذاته، تبقى شخصية العمة الحكيمة أو غريبة الأطوار شائعة في أعمال الخيال والأفلام. فما هو السرّ وراء هذا الدور الذي تلعبه العمات في حياتنا؟

للعمة أهمية كبيرة في حياة الطفل السيكولوجية خاصة إذا كانت مقربة للعائلة. ذلك أنّ العمة هي بوابة الطفل للتعرف على العالم الخارجي، خارج إطار الأب والأم. حتى أنه في حال وفاة الأهل، تُعدّ العمة المرشح الأول لتربية الأطفال. وهي في التراث العربي المحلي رمزًا للعطاء والحنان. من ضمن الأمثال الشعبية في بلاد الشام ” خذوا البنات من صدور العمات” للدلالة على
. الشبه والتقارب بين البنت وعمتها

  تُعدّ القرابة العلمية بالعمات من الدرجة الثانية، ففي علم الجينات نتشارك مع العمة 25٪ من التداخل الوراثي عندما تكون الأخت الشقيقة للأب البيولوجي. أما في حالة العمة غير الشقيقة للأب فهي قريبة من الدرجة الثالثة مع تداخل وراثي بنسبته 12.5. كذلك في حالة ابنة عم الوالد والتي تُعامل على أنها “عمة” بدلاً من “ابنة عم” بسبب اختلاف السن، مع أن التقارب
. الجيني يكون شبه معدوم

تملك العمة حيّزًا مهمَا في عالم السينما والإخراج. فقد أدرك الكتّاب والمخرجون أهمية العمة في حياة الأطفال ونموهم العاطفي، ذلك أنها تُعتبر الشخص الأقرب من جهة الأب. ونظرًا للصورة الإيجابية التي انتشرت للعمة قديمًا كونها حكيمة وودودة في العديد من الثقافات ، فقد استُخدمت الكلمة غالبًا كتعبير عن الشخص ذات القب الحنون. حتى أنّ الكتّاب فضلوا إدخال شخصية
. (“العمة في أعمالهم للتعبير عن الشخص الحنون مثل لورا فالنتين (“العمة لويزا”) وهارييت نيويل وودز بيكر (“العمة هاتي

أما في برامج التلفزيون الأجنبية المخصصة للأطفال، فالأمثلة عديدة عن استخدام لقب “العمة”  في الكثير من البرامج للتقرب
. من الأطفال، كلقب هاني ليبس ” العمة هاني” (“Tante Hannie”)

أخيرًا لا يسعنا إلا القول أنّ العلاقة السليمة مع العمة تعدّ من أهمية العلاقة السليمة مع الأب والأمّ. ذلك أن الحنان الذي تعطيه
. العمة لأبناء أخاها يوازي حنان الأهل

العلاقات البشرية

العلاقة بالحب

        صُنّف الحب في فئة المشاعر الإنسانية الأكثر غموضًا وشمولية وانتشارًا، فشعور الانجذاب والتعلق العاطفي قد يشاركه الإنسان مع أي كائن آخر، الأم والأب والابن والحيوانات وحتى النفس… لكنّ الحب الذي يشاركه الإنسان مع شريك من الجنس الآخر يبقى له التأثير الأكبر على الإنسان. الشعر والرسم والفنون تدور كلها في فلك الحب، والإبداع له ارتباط وثيق بهذه المشاعر. الشاعر قيس وحبيبته ليلى هما مثل واحد من المئات من العلاقات العربية القديمة. كذلك كان الحب أساسًا في بناء
. الأساطير مثل أسطورة أدونيس وعشتروت في لبنان

إذا كان الحب يعبِّر عن الفضائل الإنسانيَّة التي تتمثَّل بالتعامل الحسن والتعامل العاطفي، فإنّ دراسة الحب لإيجاد فهم علمي له ليست بهذه السهولة، لذلك فضّل البعض فهمه من خلال نقيضه. اختلف العلماء والفلاسفة عندها في فهم جوهر الحب، فالبعض اعتبر الكراهية نقيض الحب، بينما اعتبر آخرون أن الشهوة الجنسية هي النقيض كونها تتناقض مع الشعور الرومنسي
. والعاطفي

في موقع آخر، الأبحاث العلمية، التي قدمت نتائج مبهرة في القرن الماضي فاقت ما قدمته الإنسانية بقرون، تحاول اليوم فهم الحب داخل المختبرات. فإذا كان الحب من المواضيع الشيقة في الشعر العربي، فهو اليوم موضوع شيق للعلماء. قام فريق في جامعة هارفرد بدراسات هرمونية اللمشاعر التي ترافق الحب. كذلك درسوا الأعضاء الأكثر حيوية في الجسم خلال إفراز هذه الهرمونات. على ضوء هذه النتائج، قسموا الحب إلى ثلاث فئات بناءً على التغير الهرموني: الإنجذاب، والرغبة، والتعلق.
: كذلك لاحظوا أنّ للحب ارتباط فيزيولوجي بالتغيرات التالية  


. زيادة الطاقة في الجسم –


. انخفاض مستوى التركيز –


. التعرق –


. الشعور بالدوران والدوخة وعدم الاتزان –


. زيادة عدد نبضات القلب –

يختصر الكاتب اللبناني جبران خليل جبران الحب بقوله أنه دمعة وابتسامة. هذا الوصف دقيق لمشاعر الحب لأنها تشمل مجموعة من المشاعر المتناقضة. وإذا كان قاموس أوكسفورد يأتي بتعريف علمي للحب: هو مجموعة مشاعر إيجابية وحالات عاطفية وعقلية قوية التأثير، ذلك لأنّ فكرة التأثير هي الأهم في موضوع الحب، فإنّ الاكيد أنّ التأثير النفسي للحبّ لا يمكن إنكاره. فالحب السليم يُعتبر دافعًا للحياة والعمل وللإبداع لدى الفنانين، أمّا الحب السامّ الذي يؤذي طرفي العلاقة فهو مدمر
. لصحتهما النفسية

العلاقات الإجتماعية

                        علاقة الأم بأولادها

        تُعتبر علاقة الأم بأولادها إحدى أسمى العلاقات البشرية وأكثرها تأثيرًا. العديد من الفلاسفة والكتاب القدماء ذكروا هذه العلاقة ضمن قصصهم ومؤلفاتهم. كذلك الكتب السماوية أشارت بوضوح إلى أثر هذه العلاقة وقدسيتها، حيث نجد القرآن الكريم يذكربشكل مباشر أنّ ” الجنة تحت أقدام الأمهات”. لكنّ العلاقة هذه تتعدى الإطار الاجتماعي والعاطفي لتؤثر على الحياة النفسية والصحة الجسدية للأبناء والأمهات. كذلك بعض الصراعات التي تنشأ بين الأبناء والأم لها تفسيرات علمية يستند عليها
. العلماء لإعطاء نصائح نحو علاقة سليمة

        إن العلاقة بين الطفل والأم هي أحد أهم استراتيجيات الطفل للتعامل مع التوتر. حيث يشير العلماء أن الضغط الذي يتعرض له الطفل في البيئة الجديدة التي وُجد داخلها تعطيه دافعًا أساسيًا للارتباط بالكائن الأقرب إليه: الأم. هذه العلاقة تبني الثقة في نفس الطفل وتنمي قدراته العقلية، ما يساعده في عملية اكتشاف محيطه. أشار العالم النفسي فرويد بطريقة مبالغة إلى دور هذه العلاقة في السنين الأولى من حياة الطفل في تكوين الصحة النفسية والجنسية للإنسان. ذلك أن الارتباط الضعيف أو
. العلاقة المتوترة قد تؤدي إلى قلق و إحباط وانطوائية ومضاعفات نفسية أخرى

         بما أن العلاقة مع الأم هي الأساس في الصحة النفسية، لا بد من دراسة الأثر الذي يتركه الصراع معها. يظهر هذا الصراع بشكل بارز في فترة المراهقة لدى الفتاة، ويربطه بعض المحللين بعقدة إلكترا التي تحدّث عنها فرويد. فخلال فترة المراهقة تأخد شخصية البنت اتجاهًا منفردًا من الملبس والمأكل والعلاقات خارج المنزل، غالبًا ما تتعارض مع توجهات الأم،
: فتنشأ الصراعات الأسرية. هذا التوتر في العلاقة مع الأم يربطه العلماء بالمراحل الثلاثة للعلاقة، خاصة علاقة الفتاة بأمها

مرحلة الطفولة: تمثل الأم النموذج الوحيد في الحياة-

مرحلة المراهقة: مرحلة تكوين الشخصية المنفردة والابتعاد عن نموذج الأم-

مرحلة المراهقة المتأخرة: إثبات الذات والاستقلالية-

يحتفل لبنان بعيد الأم كما غيره من دول الوطن العربي في 21 من آذار، لكنّ الأم لها في المجتمع اللبناني خصوصية معينة. العديد من الأمثال الشعبية ترتبط بالعلاقة بالأم مثل “الأم بتلمّ” أو “طب الجرة عا تمها بتطلع البنت لأمها”. في الوقت ذاته، ما زالت الأم اللبنانية لا تملك الحق بإعطاء الجنسية لأولادها، وهذا ما دفع الجمعيات والأفراد إلى المطالبة بإقرار مشروع قانون
. منح النساء اللبنانيات الجنسية لأسرهنّ

 بينما يعتبر العلماء هذا التوتر في العلاقة عاملًا طبيعيًا لتكوين شخصية الإنسان، لا بد من الإشارة إلى ضرورة اتباع الإرشادات والنصائح المقدّمة من أخصائيي العلاقات الاجتماعية بهدف الحفاظ على هذه العلاقة المقدسة. من ضمن النصائح الاستماع والإنصات للطرف الآخر واحترام رأيه بغض النظر عن قبوله أو رفضه. عدم الإفراط في إظهار الاهتمام بالطفل من
. قبل الأم أثناء المراهقة وخلق مساحة خاصة له. أخيرًا تعزيز الثقة بين الطرفين من خلال المشاركة في النشاطات الترفيهية

        إن العلاقة مع الأم علاقة مقدسة تتخطى نتائج الدراسات والأبحاث، لكنّ الإرشاد العلمي بات أساسيًا في هذا العصر لفهم
. أعمق لهذه العلاقة، كي تتحول هذه العلاقة من علاقة توجيهية في الطفولة إلى علاقة محبة وصداقة على مدى العمر